عبد الملك الجويني

512

نهاية المطلب في دراية المذهب

فما قبضه ليس نفسَ الدين ؛ فإن الدين لم يكن متعيناً ، وليس ما عُيّن عوضاً عن الدين هو الدين أيضاً ، بل هو الحق الموفَّى ، كذلك الحوالة أقيمت استيفاءَ حقٍّ ، حتى كأن المحتالَ استوفى ما في ذمته ( 1 ) عما كان له في ذمّته ( 2 ) ، وصار استحقاقه على المحال عليه ، وحلوله محل المحيل نازلاً منزلة استيفاء عينٍ عن دين . 4235 - وقال قائلون : تسمية الحوالة معاوضة محضة غير سديد ، وتسميتها استيفاء محضاً غير سديد ، والصحيح أنها متركبة من المعاوضة والاستيفاء ، فهي معاوضةٌ ضمِّنت استيفاءً ، واستيفاءٌ بطريق المعاوضة . وأقرب شيء شبهاً بها ما لو أخذ مستحق الدين عوضاً عمّا له في ذمة المديون ، فهذه معاوضة تضمنت استيفاء الحق . 4236 - وذكر شيخي بعد تزييف محض المعاوضة والاستيفاء قولين عن ابن سريج في حقيقة الحوالة : أحدهما - أنها معاوضة باستيفاء ، والثاني - أنها ضمان بإبراء ، فكان هو ( 3 ) عن حق المحيل . أمّا القول الأوّل - فهو الصحيح . وحاصل الخلاف أن الغالب على الحوالة معنى المعاوضة ومعنى الاستيفاء ، فأما تضمنها المعنيين ، فلا خلاف فيه . وأمّا القول الثاني - وهو أنّها ضمان بإبراء ، فليس له معنىً في أصل الحوالة ؛ فإن المحتال يملك ما في ذمة المحال عليه في مقابلة ما كان له على المحيل ، وإنّما تحسن هذه العبارة إذا لم يكن على المحال عليه دين ، كما سنصف ذلك بعد هذا ، إن شاء الله تعالى . 4237 - ثم الأصل في الحوالة الأشخاص الثلاثة الذين ذكرناهم . ورضا المحيل والمحتال ( 4 ) معتبرٌ ، أمّا رضا المحيل ؛ فإنما اعتبر ؛ لأنه مالك الدين على المحال عليه ، فلا يُسْتَحَقُّ عليه ماله على المحال عليه دون رضاه ، وأمّا المحتال ، فحقه ثابت

--> ( 1 ) ما في ذمته : أي ما في ذمة المحال عليه . ( 2 ) عما كان له في ذمته : أي ذمة المحيل . وعبارة الأصل : " عما كان له ( ما ) في ذمته " بزيادة لفظ ( ما ) ولعل في العبارة سقطاً أو خللاً . ( 3 ) كذا . والمعنى : فكأن المحال عليه ضمن الحقَّ عن المحيل ، وأبرأه المحتال . ( 4 ) في الأصل : " والمحتال عليه " بزيادة كلمة ( عليه ) . وهو سبق قلم من الناسخ .